محمد محمد أبو موسى

656

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

أنفسهم أنهم في عزة وامتناع لا يبالي معهم بقصد قاصد ولا تعرض متعرض ، وليس شئ من ذلك في قولك : وظنوا أن حصونهم مانعتهم من اللّه » « 70 » . وهذا مأخوذ من قول الزمخشري في هذه الآية : « فان قلت : أي فرق بين قولك : وظنوا أن حصونهم تمنعهم ، أو مانعتهم ، وبين النظم الذي جاء عليه ؟ قلت : في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم وفي تصيير ضميرهم اسما ل « ان » واسناد الجملة اليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معهم بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم وليس ذلك في قولك : وظنوا أن حصونهم تمنعهم » « 71 » . وكذلك يأخذ من الكشاف في هذا الباب تحليل قوله تعالى : « قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ » « 72 » يقول ابن الأثير : « فإنه انما قدم خبر المبتدأ عليه في قوله : « أَ راغِبٌ أَنْتَ » ولم يقل : أأنت راغب ، لأنه كان أهم عنده وهو به شديد العناية ، وفي ذلك ضرب من التعجب والانكار لرغبة إبراهيم عن آلهته ، وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب عنها » « 73 » . ويدور كلامه في التقديم والتأخير في النفي على ما ذكره الزمخشري ، ويسوق الآيتين الكريمتين الشهيرتين في هذا الموضوع . يقول : « وأما الثاني - وهو تأخير الظرف وتقديمه في النفي - فنحو قوله تعالى : « ألم . ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ » « 74 » ، وقوله تعالى : « لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ » « 75 » فإنه انما أخر الظرف في الأول لأن القصد في ايلاء حرف النفي الريب نفى الريب عنه واثبات أنه حق وصدق لا باطل وكذب ، كما كان المشركون يدعونه ، ولو أولاه الظرف

--> ( 70 ) المثل السائر ج 2 ص 221 ، 222 . ( 71 ) الكشاف ج 4 ص 398 . ( 72 ) مريم : 46 ( 73 ) المثل السائر ج 2 ص 222 وينظر الكشاف ج 3 ص 14 . ( 74 ) البقرة : 1 ، 2 ( 75 ) الصافات : 47